سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني والشيخ محمد عبده
64
رسائل في الفلسفة والعرفان
فأوّلًا : يلزم جهله به قبل وجوده . وثانياً يلزم عدم إرادته في خلقه لعدم العلم ؛ إذ الإرادة من توابع العلم مالم يكن لم تكن . وثالثاً : ما تقدّم من كون ذاته ذات [ 1 ] طول . . . إلى آخره . وكل ذلك محال . وإن أراد أن يعلمها لا على وصف الجزئيّة ، بل يعلم أنّ في زمن كذا عند حادثة كذا يوجد ذات بصفة كذا ، فهذه التصوّرات إنّما تكون [ 2 ] بإرتسام الصور في ذاته ، فان كانت حادثة بالحدوث الزماني ، فيلزم أن لا يكون عالماً قبلها ، وطروّ الحادث على ذاته ، وهما محالان . وأيضاً هي مخلوقة له مسبوقة بعلم ، وتكون بصور أُخرى ، فننقل الكلام إليها فيتسلسل : وإن كانت قديمة بالزمان ، فإن كانت قديمة بالذات أيضاً لزم مالا يتناهى واجب الوجود ، وإن كانت حادثة بالذات مستندة إليه في الوجود ، فيلزم قدم حوادث غير متناهية غير الذات والصفة ، وهو خلاف مذهبه . وأيضاً لابدّ في خلقها من الإرادة الموقوفة على العلم ، فيكون عالماً بتلك الصور أيضاً قبل خلقها ، ويكون ذلك بصور أُخرى ، وننقل الكلام إليها ، فيتسلسل . فإن تجاوز عن هذا كلّه ، وقال : إنّ علمه ليس بالارتسام فقد قال بعلم ذاتيّ هو عين ذاته ، وهو علمه بذاته ، وقد برهن هو على بطلانه ، واللَّه أعلم . وقال مقلّدو الحكماء : إنّه يعلم الجزئيّات بوجه كلّي ؛ أي بمثل ما تقدّم في الترديد الثاني من قول الأشعري ، ومثّلوا له بعلم المنجّم بأنه في سنة كذا في ساعة كذا في درجة كذا ، يحصل كسوف ، وهو لا يقع إلا جزئيّاً وإن كان في تعقله كلّيّاً ؛ إذ الشيء مالم يوجد في الخارج لا يتشخّص وإن قُيِّد بغير المتناهي من القيود .
--> [ 1 ] في الأصل : « ذا » . [ 2 ] في الأصل : « يكون » .